فخر الدين الرازي
89
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
جوازه ، ويؤيده ما روي عن بعض الصحابة أنه أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة ، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال ، فلما اغتسل مات ، فسمع النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال : قتلوه قتلهم اللَّه ، فدل ذلك على جواز ما ذكرناه . السبب الثاني : السفر : والآية تدل على أن المسافر إذا لم يجد الماء تيمم ، طال سفره أو قصر لهذه الآية . السبب الثالث : قوله : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان . وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطا من الأرض يحجبه عن أعين الناس ، ثم سمي الحدث بهذا الاسم تسمية للشيء باسم مكانه . السبب الرابع : قوله : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : ( لمستم ) بغير ألف من اللمس ، والباقون لامَسْتُمُ بالألف من الملامسة . المسألة الثانية : اختلف المفسرون في اللمس المذكور هاهنا على قولين : أحدهما : أن المراد به الجماع ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ، وقول أبي حنيفة رضي اللَّه عنه ، لأن اللمس باليد لا ينقض الطهارة . والثاني : أن المراد باللمس هاهنا التقاء البشرتين ، سواء كان بجماع أو غيره وهو قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي وقول الشافعي رضي اللَّه عنه . واعلم أن هذا القول أرجح من الأول ، وذلك لأن إحدى القراءتين هي قوله تعالى : أو لمستم النساء واللمس حقيقته المس باليد ، فأما تخصيصه بالجماع فذاك مجاز ، والأصل حمل الكلام على حقيقته . وأما القراءة الثانية وهي قوله : أَوْ لامَسْتُمُ فهو مفاعلة من اللمس ، وذلك ليس حقيقة في الجماع أيضا ، بل يجب حمله على حقيقته أيضا ، لئلا يقع التناقض بين المفهوم من القراءتين المتواترتين واحتج من قال : المراد باللمس الجماع ، بأن لفظ اللمس والمس وردا في القرآن بمعنى الجماع ، قال تعالى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [ البقرة : 237 ] وقال في آية الظهار : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [ المجادلة : 3 ] وعن ابن عباس أنه قال : إن اللَّه حيي كريم يعف ويكني ، فعبر عن المباشرة بالملامسة . وأيضا الحدث نوعان : الأصغر ، وهو المراد بقوله : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ فلو حملنا قوله : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ / على الحدث الأصغر لما بقي للحدث الأكبر ذكر في الآية ، فوجب حمله على الحدث الأكبر . واعلم أن كل ما ذكروه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل ، فوجب أن لا يجوز . وأيضا فحكم الجنابة تقدم في قوله : وَلا جُنُباً فلو حملنا هذه الآية على الجنابة لزم التكرار . المسألة الثالثة : قال أهل الظاهر : إنما ينتقض وضوء اللامس لظاهر قوله : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ أما الملموس فلا . وقال الشافعي رضي اللَّه عنه : بل ينتقض وضوءهما معا . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأسباب الأربعة قال : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رضي اللَّه عنه : إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده وتيمم وصلى ، ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى . وقال أبو حنيفة رضي اللَّه عنه لا يجب . حجة الشافعي قوله : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً وعدم الوجدان مشعر بسبق الطلب ، فلا بد في كل مرة من سبق الطلب .